دراسة وثائقية لفايز قزي: “حزب الله” أقنعة لبنانية لولاية إيرانية


فايز قزي يمعن في الانخراط في العمل الحزبي والسياسي منذ السبعينيات وحتى اليوم. مجرب، ومفكر، وملتزم وموثق، وضليع في الظواهر السياسية الراسخة والمستجدة، وقارئ يعرف كيف يخزن الأحداث والأفكار. بعد كتابيه “قراءة سياسية لحزب الله، من نصرالله إلى ميشال عون (رياض الريس، 2009)”، و”من ميشيل عفلق إلى ميشيل عون، في علاقة مستحيلة (رياض الريس 2010)”، ها هو يعود إلى حزب الله من جوانب اخرى، في دراسة موثقة صدرت عن دار الريس حديثاً في كتاب بعنوان “حزب الله أقنعة لبنانية لولاية ايرانية”، يقرأ فيه خلف سطور المظاهر، والكلام، والحروب، لا سيما وثيقة الحزب وميشال عون، ليضعها على مشرحة المناقشة مع سائر الأقنعة التي يتنكر بها حزب ولاية الفقيه منها “الوطن والدولة والنظام: أقنعة سياسية واجتماعية واقتصادية، شارحاً أولاً الوطن (كذريعة) والدولة والنظام كصيغة مؤقتة بانتظار تحقق الشروط التاريخية والاجتماعية، ليتوقف عند المقاومة لألقاب ايرانية وسحن مموهة، فإلى العرب باعتباره بعضهم مجرد ممانع وان وهما.
ثم يتناول فلسطين ومفاوضات التسوية، المقاومة الفلسطينية ومفاوضات التسوية، وفي مناقشة نظرية يتناول قزي “قراءة وكشف الوجوه العقيدية والايديولوجية الثابتة”، ما يركز بعدها على مذكرة “التفاهم” كقناع سياسي..

هنا مقدمة الكتاب.
ما كان لهذا لكتاب أن يجد طريقه إلى الطبع لولا التزامي في مقدمة الطبعة الثانية لكتابي “قراءة سياسية لحزب الله” بأنني سأكتب عن الوثيقة السياسية لحزب الله الصادرة سنة 2009 التي فاض حجمها عن ان تكون فصلاً جديداً مضافاً إلى الكتاب السابق.

وأعود لأتساءل مع القارئ مجدداً، وخصوصاً القارئ الذي لم تصلني تساؤلاته، وقبله ربما لأجيب على فضولي الذاتي والوجداني محاولاً معه كشف جوانبها.
لماذا أبذل جهداً إضافياً متأخراً لأكتب “من ميشال عفلق إلى ميشال عون تجارب في علاقة مستحيلة”؟.

ولماذا أتكبد عناء ومشقة “التحرش” بحزب الله الذي تتودد إليه شعوب وحكومات ومنظمات وشخصيات عربية وغربية؟ وأنا لست ملتزماً بحزب أو تنظيم معين، ولست بكاتب سياسي محترف ولا أحترف الكتابة والتاريخ؟!
ولست أيضاً من بين مَن يدّعي الثقافة الأكاديمية ولا طول الباع في العلوم الإنسانية والفلسفية، ولست ممن يؤمنون أو يبحثون عن صدارة “المجالس في الجوامع والسلام في الأسواق”، ولا تغريني مقولات: عرفناك من كتاب أو شاهدناك في برنامج تلفزيوني الخ. من كلمات الاطراء والمجاملات “البورجوازية” التي عممها “الذوق” اللبناني على كل الطبقات، فهذه شؤون لا أبحث عنها ولا تدفعني للكتابة، وإن كنت اعترف بأنها أحداث تغريني وتدفعني إلى المتابعة أحياناً خاصة ان القارئ اللبناني والعربي بات اليوم أندر من اكتشاف الكاتب. فهل يكفي تأثري بأدب روسو من أن “كل فرد مسؤول عن كل شيء أمام الكل” ولم يبقَ اليوم الكثير من عالم القراءة والكتابة، إذ تحوّل الكتاب والقراء معاً، إلى وسائل الاتصال الاجتماعي الحديثة التي سرقت زبائن الاعلام المكتوب والمرئي.

الجواب الذي يخالجني وأرغب بنقله إلى القارئ هنا، انني والكثيرين مثلي ممن اعتنقوا عقيدة سياسية وناضلوا من أجلها من خلال حزب منظم، حتى وإن اصبحوا خارج التنظيم، يبقى وجدانهم يناضل في حالات كثيرة، والكتابة لمن تمكن، هي احدى حالات التعبير عن هذا الوجدان. وأنا وكثيرون مثلي، ما كنا أصحاب الرأي القائل “إذهب أنت وربك فقاتلا”، بل كنا وما زلنا أصحاب عقيدة “إذا قيل من فتى.. قال ها أنا ذا”!.

نعم نحن معشر العقائديين الملتزمين، وقد قضينا العمر في العمل السياسي، لو توقفنا ربما سنشعر بنهاية العمر، لذا نستعين بالكتابة أحياناً لنقول اننا لا نزال أحياء ولو اجتراراً.

أما لماذا دونت بعض تجاربي المستحيلة في كتابي: “من ميشال عفلق إلى ميشال عون” سنة 1992، فسوف يجد القارئ جوابه مفصلاً في كتابي اللاحق الذي آمل أن يلتزم معي الناشر الصديق رياض الريس هذه المرة بالعنوان الذي اخترته له بنفسي وهو “من مواطن سابق إلى وطن مستحيل”.

وأما لماذا أكتب اليوم تحت عنوان “حزب الله أقنعة لبنانية لولاية إيرانية”؟، فلذلك قصة وخلفيات.

القصة بدأت مع كتابي الأول عن هذا الحزب، حين كنت أجالس أحد أنسبائي المقربين وكنت المسبِّب بالتحاقه بحركة الجنرال عون في نهاية الثمانينات، شأن كثيرين غيره، ولكن عندما عدت والتقيته في ربيع 2006 ونهاية علاقتي بالجنرال عون التي سبقت بأيام وحصلت تحديداً في 27 شباط 2006، فاجأني نسيبي هذه المرة بجملة قصيرة ومفيدة دفعتني إلى الكتابة مجدداً، بعد ان وعدت نفسي أن أتوقف عند كتابة شبه سيرة سياسية وضعتها في كتاب “من ميشال عفلق الى ميشال عون”، إذ هالني ان يكون الجنرال عون قد زرع في أنصاره “قناعة” وصلت إلى حد أن يصارحني عنصر في تياره بالقول: “إذا كنت تركت عون، بعد أن نسّبتنا الى تياره بسبب علاقته المستجدة مع حسن نصرالله، فنحن لا نجد ذلك مبرراً، ونؤكد لك ونعلن انه اذا اختلف الرجلان في المستقبل فإننا سننحاز إلى نصرالله”.

وجاءت هذه القصة لتمثل الشرارة التي أحيت عندي خلفيات كثيرة ورد بعضها في كتابي السابق وسأكتفي منها بالقليل الذي يساعد القارئ، سواء كان مؤيداً أو مخالفاً لأفكار الكتاب، في تعرف نواقص أو هفوات أو زلات استنتاجاتي التي خلصت إليها، وأنا أعلم ان بعضها شديد القسوة لا تشفع له الأعذار المخففة ولا المحللة ولا حتى الظروف الاستثنائية والخاصة.

من حق أحد الأصدقاء أن يكرر وهو يقرأ الكتاب بالعودة مرة جديدة لبث شكوكه بأنني كتبت لأقبض ثمناً كبيراً من السعودية، قدره بمليون دولار، عند صدور كتابي السابق. أما اليوم فلن ألومه إذا أخطأ التقدير ثانية، فهو على الاقل قرأ وعلّق وقدّر غالياً ثمن ما كتبت فشكراً له، وان ظلمني بظنه.

واليوم اعترف واعلن انني عجزت حتى الآن عن ادخال كتابي المذكور إلى المملكة السعودية رغم محاولة صاحب دار النشر الصديق رياض الريس بوسائله المختلفة، ورغم محاولة الصديق غسان شربل رئيس تحرير جريدة الحياة السعودية دون جدوى، كما باءت محاولات احدى المكتبات الاساسية في السعودية لادخاله الى المملكة بالفشل أيضاً. ولا زلت حتى الآن أجهل السبب وإن كان الجواب غير الرسمي: “لأن غلاف الكتاب يشير الى علم حزب الله”. والله أعلم!

وإذا كانت البداية منطلقة من حرصي على استرداد العونيين الذين جنحوا كما خوفي من انتشار التشيع الايراني عند الجنرال عون وتياره، فإنني اعلن ان مبرر هذه الانطلاقة وسببها الرئيسي هو انني ساهمت في خلق هذا الكيان السياسي العوني الذي أردته مع اصدقائي وطنياً. فتحول اليوم وبفعل انحرافات ومساومات عديدة بدءاً من مذكرة التفاهم، واللاجئين اللبنانيين الى اسرائيل، والمعتقلين في السجون السورية والتحالف مع رموز الفساد والاقطاع، وممارسة الديكتاتورية في قيادة الحزب وإدارته، والغرق في كسب وتوزيع المغانم المادية وغيرها الكثير الكثير أحفظه لكتابي الاخير “الوطن المستحيل”.

ولأنني صاحب عقيدة، لا صاحب رأي فقط، فإنني أكتب ملتزماً بنصرة قناعاتي ضد كل انحراف، ولا اعتبر نفسي مجرد صديق لعون بالمعنى الوجداني والانساني بل أزعم وادّعي المشاركة في مشروع وطن ودولة وإن فشل ذلك المشروع حتى الآن. أنا لست طائفياً، لكن لديّ عقلاً وعذراً استمدهما من أبو العلاء المعري(1)، فأنا دافعت عن عون بصراحتة حين كان فعلاً يمثل قضيتي خلال حقبة استمرت منذ نيسان 1985 حتى شباط 2006. وما بدّلت في ذلك تبديلاً رغم كثرة المخاطر والاغراءات. إذن أنا لا أكتب من أجل التنظير، بل من أجل العمل، لا بل يدفعني إليه أيضاً انتمائي السياسي السابق إلى حزب البعث العربي القومي العلماني وقربي من المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها وعلى الاخص فتح والجبهة الشعبية، وتحالفي الانتخابي سنة 1972 مع كمال جنبلاط وتعاطفي مع كل أفراد المقاومة الوطنية اللبنانية، وسكني في العراق عند بدء الحرب مع ايران 1980، وموقف عون خلال حرب وتهجير الجبل وساحل الشوف وشرق صيدا، وعدم الاعتراض على حليفه الذي اعتبر مخيم نهر البارد خطاً أحمر على جيش لبنان، وخلفية تحميل حزب الله مسؤوليات مبالغة في مواجهة هذه الحالات جميعاً وغيرها.

لقد جرّب اللبنانيون وسائل كثيرة واستهلكوا التجارب المتعددة بحثاً عن وطن حر ودولة مستقلة لجبلهم الصغير، الذي تقيه جباله غرباً تسونامي وغزو مياه المتوسط، والتقارب الحضاري شرقاً عواصف الصحاري ورمالها. واجهوا طمع الشرق وخبث الغرب فحملوا السلاح وقاتلوا في الداخل شركاءهم واشقاءهم وضيوفهم. كما قاتلوا عدوهم الخارجي. وطالبوا بالفدرالية والتقسيم. إنهم كانوا يغرقون.. فهل يلام مَن يشرف على الغرق إذا لجأ إلى التنفس تحت الماء؟!.

إن لبنان هو مجمع ومختبر الطوائف بمذاهب متعددة وكثيرة هاربة من الظلم والتسلط والعنف. ورغم ذلك، فقد جربت بعض طوائفه العنف والحرب المدمرة عام 1975 وانتهت إلى عدم جدوى ذلك. وكان يفترض أن يؤرخ مؤتمر الطائف 1989 نهاية تلك التجارب الفاشلة، إلى أن دخل حزب الله معترضاً هذا المسار بحجة مقاومة إسرائيل. لكن بعد خروج إسرائيل سنة 2000 من كل الأراضي التي احتلتها من لبنان وفقاً للقانون الدولي واعتراف الأمم المتحدة، راح الحزب يغذي الشعور لدى مواطنيه بأنهم “مسلمون منسيون”(2)، ويكدس السلاح الايراني في الجنوب والبقاع والضاحية ويبني مؤسسات عسكرية وأمنية
وثقافية وتربوية واقتصادية ومالية وقضائية وعدلية وتمثيلية وسياسية..
وبات باستثناء تبعيته للفقيه ودولته الايرانية مكتفياً بذاته من كل شيء يحتاج إليه لاعلان الحكم الذاتي في مناطق تواجده الأساسية. فباتت هذه المناطق ولايات لبنانية شكلاً، تابعة ظاهرياً لسلطة لبنانية يقبلها ويوافق عليها الحزب ضمن وصايته الفعلية المطلقة عليها في كل شيء.

هذا الواقع الفعلي الذي أفرزه حزب الله في مناطقه لم يعد يحول دون اعلانه وإشهاره سوى “رغبته الذاتية” بفتوى الفقيه الايراني التي قد يعلن عنها في أي لحظة، وأرجو أن لا تتحقق قبل صدور هذا الكتاب ليبقى الجدل مفيداً حول قراءتي الخاصة هذه.

أما ما يمكن أن ينتج من استمرار هذا الواقع أو الانتقال إلى اعلانه فلن يكون في الحالتين، إلا نذير شؤم لتفتيت “الوحدة” اللبنانية وهي أصلاً لم تبلغ مستواها القانوني والدستوري. وعندئذ قد تكون الفدرالية اللبنانية بشكلها الخاص والفريد والمستحدث هو الحل الأنسب، خاصة إذا نتجت عن حوار هادئ وعاقل بعيداً عن التهويل والتهديد والعنف الذي يحتكره اليوم حزب الله وحلفاؤه بالتبعية.

أما شعار رفض الفدرالية والتقسيم الذي يتمسك الحزب باعلانه دائماً، فهو يعني حينئذ ويُخفي مشروع الهيمنة بالقوة على كل لبنان، “وقد كان شيعياً قبل أن يحتله الآخرون”، كما ينكشف في الأبحاث والقراءات الدقيقة والمفصلة في وثائق الحزب وخطابات وأبحاث مفكريه وكتابه ورجاله وقادته الكبار والصغار منهم.

من جهتي، تساءلت كثيراً لماذا أكتب عن حزب الله. واعترف بأنني لا أملك الجواب الحقيقي والشافي وان كنت أعلم لماذا يسألني أو يتساءل صديقي هذا وكل الآخرين.

لكنني أعترف بانتمائي لجيل عاش شبابه الذي لم يكن “تاريخه كاذباً” أبداً بل مبالغاً في الصدق. ولم يكن صاحب رأي فقط بل صاحب عقيدة. لكنه عانى تجارب انتكاسة مشروع الوحدة والحرية والاشتراكية واستمرار تعثر الثورة الفلسطينية وفشل الثورة الجزائرية ومشروعها لبناء الدولة القادرة والعادلة وبناء التقدم الاجتماعي. وقدري اليوم أن أشهد مع جيل النكسات تعثر الربيع العربي وشعاره المترنح أمام هجمة القوى الدينية وخطابها المتطرف فكرياً وعسكرياً.

أما الانتصارات الموهومة التي تفاخر بها ايران وحماس وحزب الله، كما الجماعات الاسلامية المتطرفة، فهي واحات سراب سرعان ما تبددها القراءة العاقلة والممارسة المستنيرة. فها هي إيران تختنق سياسياً بصراعات قادتها، وتختنق اقتصادياً بالبطالة والفساد والغلاء الفاحش لأسعار المواد المعاشية وهبوط سعر عملتها المستمر في مقابل اسعار العملات الأجنبية، وسوء الادارة.. وهذه حماس تتخبط في وضع مشلول، لا تستطيع ممارسة المقاومة المسلحة، كما لا تستطيع التأثير، سياسياً، على مجرى الأحداث في المسار الفلسطيني، ولا تحلم حتى بتوحيد فلسطين الدولة. لكأنها وُجدت لتكريس سقوط المشروع الفلسطيني. وها هو حزب الله الذي انكشف كلياً بعد “تحرر” الأرض سنة 2000 انه رافعة ايرانية وحركة ميليشيوية داخل لبنان يعمل على احتلال السلطة والدولة بقوة السلاح ليحولها إل ولاية ايرانية.

أما الاسلاميون فليسوا مسؤولين عن الانحطاط العربي بالطبع، ولكن لن يمكنهم النهوض بالعرب أيضاً. وإذا كنا نسجل لهم مواجهاتهم مع المحتلين أحياناً، فلا بد لنا ان نضع تلك المواجهات في سياقها التاريخي الملموس: انها جهادات في نقاط دفاع جزئي وفي جبهة مهزومة، “ما يجعل الخطاب الانتصاري، على وجاهته الميدانية هنا أو هناك، مضللاً وديماغوجياً”.

إننا إذ لا ننكر البطولات والتضحيات، نتساءل عما إذا كان هناك مشروع وطني حقاً “للمقاومات” الإسلامية، سواء على المستويات المحلية أو على المستوى العربي العام. ولعل الإجابة عن هذا السؤال هي التي تبين أصالة وصدق الدور السياسي للمقاومات. فإذا كانت تحمل مشروعاً، فإنّ تلقيها المساعدة والدعم من قوى اقليمية لا يضيرها، لكن اذا لم تكن تملك مشروعاً وطنياً أو قومياً، فإنها ربما تنزلق إلى مواقع التبعية والأداة والارتزاق!. لأن التغطية الدينية تنطبق على الجهاد في سبيل الله وتسميته مقاومة تزويراً وباطلاً هو قناع مصنّع.

والمقاومة، بحد ذاتها، ليست مشروعاً بل أداة تحرير مؤقتة بطبيعتها. لكن، هل يمكن أن يتحقق تحرير بلا تحرر، أي بلا مشروع اجتماعي سياسي تقدمي؟!.
إنني لم أقرأ في الوثيقة السياسية مشروع الحزب هذا. لكنني قد قرأته في وثيقة المستضعفين سنة 1985، وقرأته تفصيلياً في كتاب الشيخ نعيم قاسم. وفي القراءتين تم التأكيد: “اننا أبناء أمة حزب الله، نعتبر انفسنا جزءاً من امة الإسلام في العالم التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة الاسلام المركزية في العالم”.

لست وحدي مَن قرأ ذلك، بل كثيرون غيري، وهنا استعين بقراءة للكاتب الاردني اليساري ناهض حتر نشرته جريدة الاخبار في عددها تاريخ 26/1/2010:
“يمكننا القول اليوم ان “ممكنات” الصحوة الاسلامية قد تبددت. فالاسلام الجهادي تحول ثقله إلى مجموعات مقاتلة معزولة لا تحظى بالتأييد المجتمعي أو الجماهيري من المسلمين، بل تحتضنها عصبيات محلية في معارك تتمفصل على صراعات محلية. وهكذا، فإننا نشهد اتجاهاً لانتقال الاسلام السياسي كله، الدعوي والجهادي، في حساسيته الكبرى الفاعلة، إلى الغرب ليلعب وظيفة سياسية اقلوية”.

ثم يضيف: “أما الاسلام السياسي الشيعي، فقد وقع في ما هو أسوأ. لقد فقد صدقيته، جوهرياً، بسبب ذلك التساكن السياسي بين نهج مقاوم وحدوي في لبنان ونهج متأمرك تقسيمي في العراق. وهو تساكن لا يمكن تبريره إلا بالارتباط بالمشروع القومي الايراني الذي يقتضي، من جهة، مواجهة دفاعية مع إسرائيل مكانها لبنان، وتترتب عليها سياسات ومواقف ممانعة ومقاومة، ومن جهة اخرى، يقتضي إضعاف العراق وتقسيمه ونهبه واغتصاب اراضيه وإلحاقه، مما يرتب سياسات ومواقف اخرى مضادة”.

إلى أن يقول: “ليس من الواجب على حزب الله أن يتقدم بالشكر الجزيل لطهران على دعمها له ولمقاومته ضد الاحتلال الإسرائيلي بسبب علاقات التبعية. ومن هنا فلا يمكنه ادانة ممارسات إيران الاحتلالية في بلد شقيق، وهل كان السيد حسن نصرالله مضطراً لمنح رجل الاحتلال والتقسيم والفساد في العراق، عمار الحكيم(3)، مقابلة متلفزة لأغراض انتخابية؟ وكيف يمكن لمَن ترنّ في مسمعيه كلمات نصرالله الجهادية اللاهبة في الاونسكو، ان يبصر مشهد ذلك اللقاء الأخوي؟”.

“… ماذا يمثل الحوثيون بحق السماء، لكي يتابع تلفزيون المقاومة اللبنانية اتنصاراتهم بفخر؟ هل الحوثيون تيار مقاوم؟ أهم دعاة وحدة ونهضة؟ ليسوا سوى تجمع قبلي متخلف، لكنه يستحق التأييد، بالطبع، بسبب التماثل التبعي لايران”.

نشرت هذه المقاطع من المقال رغم ما فيه من مواقف لا تستحق التأييد عندي. إلا أن صاحب المقال لا يريد أن يقتنع ان حزب الله ما هو سوى أداة إيرانية ولا يريد أن يقرأ بعمق أكثر، التحالف الايراني الاميركي الممتد من افغانستان الى الثورة الاسلامية ضد الشاه في إيران، الى التحالف في العراق لاسقاط صدام حسين وتفكيك العراق وتسليمه لايران، ولا تحول “مقاومة” حزب الله عن دور المقاومة الموحدة ليلعب لصالح ايران كلياً وحليفها السوري جزئياً تحت راية جهاد الولي الفقيه.

بعد اكتمال “التحرير” 2000 بدأت تتلى التساؤلات والمشاريع القلقة والمقلقة معاً: ماذا يفعل حزب الله بترسانته العسكرية بعد هذا المنعطف وإلى أين وكيف يتحول!؟.

في حديث إلى جريدة النهار نشر في 23/3/2011 قال الشيخ صبحي الطفيلي الأمين العام السابق لحزب الله: “ان السلاح كان يجب ألا يوجّه إلى الداخل إنما فقط بوجه العدو الإسرائيلي ليبقى على طهارته، وإن المقاومة انتهت منذ زمن بعيد وابرمت اتفاقات منذ سنة 1996 وتوجه السلاح إلى الداخل…”.
وبعد حرب تموز 2006 انصرف الحزب إلى تكتيك جديد لخدمة أهدافه الاستراتيجية الثابتة في بناء الدولة الاسلامية والتمسك بقيادة الولي الفقيه الايراني المعصوم للتحضير لعودة الامام واكتمال ظهور الارادة الالهية التي تعطي النصر.

رفّع الحزب رجاله أبطالاً للوعد الصادق، وثبت جماهيره وأنصاره “أشرف الناس”. فباتت مقاومة الحزب الاسلامية “فرقة ناجية” كاملة للتعبئة والاستعداد لتلبية “نداء الظهور” وتحقيق دولة العدل حتى دون فتح باب الانخراط في صفوفها المغلقة أصلاً على مواصفات حصرية محددة ونخبة مختارة. اما كل الآخرين خارج الفرقة الناجية والمختارة فهم رجس من عمال وعمل الشيطان ليجتنبوه.

وقد عكست خطب الأمين العام السيد حسن نصرالله بعد حرب تموز 2006، وبعض قادته المحليين “اللبنانيين” والمجنسين، هذه الصورة الانتقائية الطليعية، التي نقلت المقاومة من وسيلة كفاحية مختارة بين مجموعة وسائل مختلفة ومتوفرة، إلى المستوى التقديسي الذي يمنع كل نقد أو تعديل أو حتى اجتهاد. وهكذا بات كل العالم من حولها إما مع المقاومة المقدسة وسلاحها المقدس وخياراتها المقدسة، أو مع العدو والشيطان الأكبر الأميركي او السرطان الإسرائيلي، وبقي بعض السذج والمنافقين والمنتفعين ينافقون ويتهمون الآخرين بتعطيل “الحوار”.

وهنا نكتشف كيف ان حزب الله يعيش تناقضاً صارخاً، فمشروعه الاساسي بمقاومة إسرائيل يتعرض للتجاذبات الاقليمية بين إيران وإسرائيل وبين إيران والأنظمة العربية، وهو في مطلق الأحوال “يتبع” النبض الايراني وأوامره كلياً، فيتحوّل مشروع المقاومة الاسلامية نحو مشاريع أخرى داخلية أو اقليمية وربما أبعد.

وتحوّلت “المقاومة الاسلامية” إلى جيش دائم لحزب الله ونشأت المؤسسات التعليمية والتجارية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والأمنية الرديفة لمؤسسات الدولة اللبنانية. وباتت ايران من خلال انتماء الحزب إليها عقائدياً وسياسياً وعملانياً تملك جيشاً تابعاً لقيادة حرسها الثوري، يختبئ وراء قناع المقاومة لاحتلال زال ولكن مطامعه باقية تقتضي الحماية منها استمرار “الوجود” لجيش الاحتلال الايراني المقنع والذي بلغ مهارة صانع الأقنعة حد إيهام الكثيرين بأنه “مقاومة” تشارك الجيش والشعب بل تتقدمهما في حماية الوطن.

وبعد أن تعطلت الدولة بالفراغ الدستوري في مركز رئاسة الجمهورية، وجرفها مؤتمر “الدوحة” أكثر بتكريس المشاركة وفق مفهوم توافقي مشوه أدى عملياً الى امتلاك حزب الله حق النقض Veto على جميع قرارات مجلس الوزراء، مكرساً سقوط الدستور اللبناني خاصة مقدمته التي تنص ان “نظام الحكم ديموقراطي برلماني” ونص المادة 65 التي تحدد الصيغة اتخاذ القرارات بالتوافقية أولاً ثم التصويت الأكثري البسيط ليتحول بعد تعذرها إلى صيغة أكثرية استثنائية بالثلثين في بعض القضايا الأساسية المحددة نصاً.

فالصيغة هي التصويت بالمبدأ والتوافقية أول مراحل التصويت وصيغة من صيغه وليست أبداً نظاماً سياسياً. لكن الحزب حرف ذلك وأصر على تطبيق هذه النظرية حتى بعد انتخابات 2009 حيث فاز تحالف 14 آذار بأكثرية مقاعد المجلس النيابي ومُنع من تشكيل الحكومة إلا بعد ان حصل حزب الله وحلفاؤه على الثلث الضامن (10+1) ليعطل كلياً حكومة سعد الحريري الأولى الثلاثينية. واختار الحزب وحلفاؤه الوزارات المطلوبة وسموا أسماء وزرائهم دون ترك اي حق لرئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء في الاختيار والتقدير.

وهذا أيضاً مخالف لنص الدستور وروحه التي تعطي لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء صلاحية تشكيل الحكومة وتوقيع مراسيم تعيين الوزراء، ويبقى للكتل السياسية أن تعبر عن عدم رضاها خلال مناقشة بيان الثقة في المجلس وتسقط الحكومة، إذا تمكنت، بالأكثرية النيابية.

ولم يتمخض النقاش الذي استمر طويلاً في مجلس الوزراء ولجنة صياغة البيان الوزاري، إلا بولادة بيان وزاري مفخخ ابتدع هرطقة دستورية مضافة إلى “إنجازات” الدوحة عندما تبنت الحكومة في بيانها الوزاري بدعة سياسية كيانية جديدة باعتماد مثلث “الشعب والجيش والمقاومة”. فبات لبنان مع هذا البيان الوزاري العجيب والجديد قائماً على كيانات ثلاثة، اثنان منها، الشعب والجيش، مشتركان بين كل مكوناته السياسية والطائفية، أما الثالثة وهي المقاومة فينفرد بها حزب الله ويتصرف بها تصرف المالك بملكه نيابة عن إيران، غير ملزم حتى بعنايتها للأب الصالح. كما ان العلاقة التي تربط المقاومة من جهة بالجيش وبالشعب من جهة ثانية هي غير محددة، ومتروكة ربما لميزان القوة الذي يحتم هيمنة المقاومة على الجيش والشعب، ويكرس مستقبلاً هيمنة هذه المقاومة المسلحة على الوطن كله، خاصة بعد فشل “طاولة الحوار” و”قادة الحوار” في وضع قواعد تضبط هذه العلاقة ولو تحت عنوان الاستراتيجية الدفاعية التوافقية. كما ان عدم وضع هذه القواعد لضبط العلاقة يجعل الشعب أو ربما الشعوب اللبنانية، وفق قراءات أدق وفي أفضل الحالات، منقسماً بين الجيش والمقاومة. وهذا يعرّض الكيان اللبناني حتماً إلى الانقسام بين شعب وجيش من جهة، وشعب ومقاومة من جهة ثانية، لنصبح على وطنين وربما أكثر. ويزعم حزب الله أنه ضد التقسيم والفدرلة؟!.

هذا الانقسام الذي قد يتحقق عبر حزب الله وبسببه بعد ان عجزت عنه إسرائيل و”حلفاؤها” الكتائب (وفق توصيف حزب الله)، سوف يكون المبرر والذريعة والمساعد لقيام الدولة اليهودية ما دامت تجربة التعايش اللبنانية قد فشلت وأفشلت معها كل الدعوات العربية لبناء مجتمع قومي يوحّد ويجمع الأقليات الاثنية والمذهبية والثقافية العربية في كيان سياسي واحد.

وعندما تنفجر المنطقة فلن يرثها الاسلام الثوري الايراني أو الاخواني بل الدول العنصرية ليبدأ الزحف نحو إسرائيل لتقليدها والإفادة من تجربتها وطلب دعمها، فيتحقق حلم إسرائيل بطبعته الجديدة في الشرق الأوسط الجديد أو الكبير. هذه مساهمة بسيطة من مساهمات الولي الفقيه المخفية في خدمة الكيان الصهيوني المغتصب الذي يتظاهر بوصفه بالغدة السرطانية، ومن أجل اقتلاعها، لا بد من إلغاء الأوطان والقوميات والنظم المدنية، فنفيق غداً على دول دينية في طليعتها الدولة اليهودية.

الهوامش:
يقسم أبو العلاء الناس إلى قسمين: طائفيون بلا عقل، وعاقلون لا طائفة لهم.
عنوان كتاب صدر 1999 للباحثين غراهام فولو وراند فرانكي.
عمار الحكيم، أقرب السياسيين العراقيين إلى إيران، اغتيل في بغداد خلال حكم المالكي الأقرب إلى إيران.

     مأخوذة عن موقع  Youkal.net