14 آذار: أبكي و…أروح!

الاستقلال ورجالو

فارس خشّان

دخلت الوالدة غرفة ابنتها العروس، فوجدتها تبكي.

بحسرة ، سألت الوالدة عن السبب، فأجابتها ابنتها :” سأتزوّج بعد قليل”.

اقتربت الوالدة من ابنتها. أخذت يدها. داعبتها. وقالت لها:” طالما أنك حزينة، فألغي الزواج.هذه قصة عمر وليست مسألة عابرة. سعادتك أوّلا.”

إنتفضت العروس. وقفت. وقالت لوالدتها:” إياكي أن تفعلي ذلك، فأنا أبكي و…أروح”!

هذه القصة، ترددت في ذهني، وأنا أقرأ، مرة تلو الأخرى، نص البيان الوزاري الذي انتهت حكومة تمام سلام الى إقراره.

كنتُ أُجري مقارنات بين مواقف 14 آذار – الحكومية وبين ما هو وارد في البيان، فلا أجد أمامي سوى تلك العروس التي قررت أن “تبكي وتروح”.تبكي لاستجرار العطف، و”تروح” للإستفراد بالزوج.

وبعد ذلك، رحتُ أستمع الى بعض وزراء 14 آذار، وهم يُبررون موافقتهم على هذا البيان الوزاري، فوجدتُهم، وهم يشيدون بما أنجزوه من تغييرات على مستوى ما سموه تقييد حرية حركة “حزب لله”، كتلك العروس، وهي تنتفض، في وجه والدتها، مؤكدة أنها تريد أن “تروح”.

في الواقع، الفقرة الخاصة بالمقاومة، أتت، وفق ما أرادها “حزب الله”، فهي تُكرر، بكلمات مختلفة، المعنى نفسه لثلاثية الجيش والشعب والمقاومة. هي تربط الحق بالمقاومة حتى انتهاء الخطر الإسرائيلي، الذي هو، وفق “حزب الله” خطر قائم حتى زوال الكيان العبري، وهي تعطي الحق لمقاومة الإعتداءات الإسرائيلية، أي التي يمكن ان تستهدف الأرض والنفط والمياه.

وبعد قراءة هذه الفقرة، يتساءل المراقبون عمّا بقي للدولة أن تقوم به، طالما أن المهمات الملقاة على عاتقها، أُعطيت، بالتوازي للمقاومة التي من حق المواطنين اللبنانيين إقامتها.

وفي متابعة ما قرأتُه، بالإستناد الى ما نعرفه جميعا، فإن التبجح بأن المقاومة، والحالة هذه ، أصبحت ملكا عاما للمواطنين اللبنانيين، ولم تعد حكرا على “حزب الله”، أغرقني في الضحك، إذ تهيّا لي نبيل دوفريج وهو يرابض على الحدود.

في الواقع، إن قائل هذا النوع من الكلام، يستحق الطرد من مدرسة السياسة، لأنه ينسى أن “حزب الله” صفى كل المقاومات اللبنانية، ليستفرد بالمقاومة. صفى اليساريين، ومن ثم صفى “حركة أمل”، ومن ثم صفّى الإسلاميين الذين لا ينتمون الى صنفه.

أنا لا أدّعي بأن موازين القوى تسمح لـ 14 آذار، إن أرادت العودة الى المسمّاة سلطة، بفرض شروطها ورؤيتها على “حزب الله”، تماما كما لا أعتقد بأن النساء يمكن أن يعشن بلا رجل، ولكنني كاستغراب الوالدة لبكاء ابنتها العروس، أتساءل عن سبب تكبير 14 آذار لأهداف، تعود فتتنازل عنها. تبكي على الوطن بسبب “حزب الله”، ثم تروح معه في شراكة.

لا تحتاج المسألة الى عبقرية سياسية، ليُدرك كل عامل في الحقل السياسي اللبناني، أن لا قدرة ل14 آذار، بالسبل الدستورية، على كسر “حزب الله” وعلى إيقاف مخططاته، ولذلك، هو يُخطئ الظن بـ14 آذار عندما يستمع الى مواقفها العالية.

يُخطئ الظن، لأنه يعتقد بأنها مصممة على تحقيق أهدافها، بكل الوسائل المشروعة، بما فيها العودة الى الساحات، والتمترس في المعارضة، ورمي السلطة جانبا.

يُخطئ، لأنه يكتشف أن 14 آذار، لا تستطيع أن تعيش خارج السلطة، ولا تستطيع أن تفكّر خارج السلطة، ولا تستطيع أن تأمَن خارج السلطة، وذلك من دون أن تُناقش ما إذا كانت هذه السلطة سلطة فعلية، ومن دون أن تُناقش ما إذا كانت هذه السلطة يمكن أن توصلها الى أهدافها المعلنة.

وبناء عليه، على السادة في 14 آذار، ولا سيما منهم من قرر المشاركة في الحكومة والموافقة على البيان الوزاري، أن يتوقفوا عن إتحافنا بشعاراتهم السيادية الكبرى، وينصرفوا الى معالجة شؤون المواطن اللبناني اليومية، لأن تضييع وقتنا في ما هم عاجزون عنه، لم يعد ينفع، وعليهم، بدل ذلك، أن يحملوا ملفات متواضعة. أن يفكروا بالبيئة والكهرباء والإتصالات والمياه والبحر والإقتصاد.، طالما أن تفكيرهم بالمسائل السياسية، هو تفكير بمواضيع أكبر منهم، وأكبر من قدراتهم.

الواقعية، ليست مسألة إنتقائية. لا يمكن أن نرفعها حجة، كلما انهزمنا أو بالأصح، كلّما قررنا أن نهزم أنفسنا.

الواقعية، هي ترقب الممكن والسير به، واستشراف المستحيل والإبتعاد عنه.

وبعد تجربة المشاركة في الحكومة، وتجربة السير بالبيان الوزاري، وفق شروط “حزب الله”، يُصبح لزاما علينا، أن نُقزّم توقعاتنا بخصوص الإستحقاق الرئاسي. السقف العالي الذي وضعه رئيس حزب القوات اللبنانية ممتاز، ولكنه، بالعدة المتوافرة لدى 14 آذار، يستحيل الوصول إليه.

سمير جعجع، أراد أن يكون على قدر شعاراته. بقي خارج الشراكة الحكومية. بقي خارج التسوية التنازلية في البيان الوزاري. لكنه بقي لوحده، تماما كما دخل، يوما السجن لوحده.

14 آذار، هي مسار تسووي وليس مسارا ثوريا.

14 آذار ظهرت تسوويتها بعد ظهر ذاك اليوم التاريخي الذي تدفق فيه اللبنانيون الى ساحة الشهداء.

14 آذار ، للأسف، تبكي و…تروح!