جبيل أمام التحدي…

byblos7

بقلم د. جورج الخوري مخايل

جبيل وهي قلب جبل لبنان النابض كانت في احلك ظروف الحرب اللبنانية مثالاً للتعايش والعيش المشترك بين ابنائها على إختلاف إنتمأتهم الطائفية والسياسية. تلخص معركة جبيل الانتخابية صراعاً بين مشروعين سياسيين وواقعاً يتخبط لبناننا في مخاضه من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه. يضاف إلى تلك المعادلة وبحكم كون جبيل منطقة رئيس الجمهورية، المرشحين المستقلين الذين على ما يبدو هم يمثلون الطرف الذي يصف نفسه بالحيادي في هذه المعركة.

المشروع الأول متمثل بإستكمال مسيرة ثورة الأرز واستعادة لبنان من براثن الظلم والتبعية. المشروع المؤمن بلبنان الوطن الحر، السيد، المستقل، النهائي الكيان. بالدولة القوية، القادرة والعادلة. بجيشٍ وطني مهمته بسط سلطة الدولة والقانون على كل الأراضي اللبنانية، والدفاع عن لبنان أمام جميع أطماع أعدائه كائن من كانوا. 

يقابل ذلك المشروع …مشروع القفز في المجهول! فالطرف المقابل تحالف وخليط تناقضات جمعتهم مصائب. منهم من يتوق إلى مجدٍ فقده مع خروج السوري من لبنان. آخرون متضررون من سلوك لبنان الطريق الصحيح نحو السيادة وبسط سلطة الدولة. وبعضهم همه الوحيد وشاغله منذ ال-١٩٨٩ إعتلاء كرسي السلطة، والذي إن جلسه يوماً حلت العجائب واستقامت مشاكل لبنان بسحر ساحر، ومع مفعول رجعي, هكذا أوهم مخلص لبنان شعبه المختار!

وهكذا ولد تحالف التيار الوطني الحر وحزب الله، ليحمل شعاراً ظاهره إعلامياً الاصلاح والتغيير، أما في الواقع فهو مشروع إنقلاب على منطق الدولة لا بل هو تكريس للا دولة. ولا نعلم إذا كان التغيير المنشود ربما المقصود به، التغيير بالمواقف أو الرؤية التي طبعت خطابات ومواقف الجنرال عون، في معظم حياته الوطنية. فمن جنون حرب إلغاء للميليشيات عام ١٩٨٩ انصبت حممها فقط على المقاومة المسيحية التي وبمنطق الجنرال كانت الميليشيا الوحيدة المتواجدة على الأراضي اللبنانية. كانت نتيجة حربه الشعواء أن انقسم المسيحيون، دمرت مدنهم، قتل فيها من قتل ودخل السوري إلى المناطق الحرة الوحيدة، فحلت بعدها حقبة الظلم والظلام من ال-١٩٩٢ إلى ال-٢٠٠٥. أما التغيير اليوم بالنسبة للجنرال  فهو مكرسٌ طبعاً في الضمانة التي يمثلها حزب الله بميلشياته وسلاحه وماله النظيف للوجود المسيحي الحر. كل ذلك نتيجة ورقة التفاهم المقدسة. وللتذكير فقط، هو الحزب نفسه، الذي وصفه الجنرال بأنه الخطر الأكبر على لبنان وبأنه منظمة ارهابية في عدة مقابلات تلفزيونية و شهادات في عواصم القرار قبل ال-٢٠٠٥. نعم هذا هوالتغيير!

التغيير أيضاً هو في برنامج التيار الوطني الحر الذي حصل بموجبه على ثقة ٦٨% من المسيحيين ولم ينجز منه شيء لا بل أنجز عكسه تماماً.

ونعم هو التغيير بحد ذاته، عندما يتحول الجنرال من أباً لقانون محاسبة سورية في الكونغرس الأميركي والقرار ١٥٥٩، إلى منكر لتلك الأبوة بالقول والفعل والممارسة. وبالفعل فعلها! بالأمس حج ممثل مسيحيي الشرق السامي طهران ووقف أمام تمثال داريوس متضرعاً طالباً الشفعة. وما إن عاد حتى سبقته الطائرة الرئاسية السورية لتقله إلى ربوع ريف دمشق،  حيث وقف ينشد في مجلس الشعب أغاني الأخوة ووحدة المسار والمصير، ونسي أو تناسى “مصير” اللبنانيين المفقودين في دهاليز السجون السورية. وكم أحببنا نحن اللبنانيون سماعه يطوي بإسمنا تلك الصفحة السوداء من تاريخنا المشترك ولكن بعد أن نعتذر من سوريا عن اخطائنا وإسأتنا لهم كلبنانيين، كما قال وبفخر ووضوح. ومع هذه المعمودية إكتمل النصاب وأصبح الجنرال أسير تحالفاته الجديدة مع كل رموز الحقبة الماضية المشؤمة، وانضوى عن معرفة أو غير معرفة تحت رحمة مشروع حزب الله.

مشروع حزب الله للبنان، والذي أصبح واضح المعالم، بعد أن تحول من حزب مقاوم للمحتل الإسرائيلي في لبنان إلى حزب ثورة ولاية الفقيه على لبنان. لقد إعتمد حزب الله في صراعه مع إسرائيل إستراتيجية النزف البطيء لتيئيس العدو، وهو منذ الإنسحاب الإسرائيلي يستعمل الاستراتيجية عينها ولكن هذه المرة لتيئيس اللبنانيين لأنه يعرف تمام المعرفة أن الإنقلابات الجذرية في لبنان تاريخياً لا أرضاً خصبة لها، إن على المستوى الشعبي أو بين القيادات السياسية. فبات يقضم أجزاءً من لبنان شيئاً فشيئا ويضمها إلى مربعه الأمني الجغرافي كما السياسي، إلى أن يأتي الإنقضاض التام و بالتوقيت المناسب على الصيغة اللبنانية وحينها يكون قد فات الأوان ولا نفع للندم. فمن مظاهرة شكراً سوريا، إلى حرب تموز، إلى شل الوسط التجاري، إلى ٧ ايار، إلى حادثة سجد، كل هذه محطات تحبيطية وتيئسية هدفها إستنزاف اللبنانيين الأحرار الذين قالوا لا لسوريا، وهتفوا نعم للبنان السيد، الحر والمستقل في ١٤ آذار ال ٢٠٠٥. ولا يمكن وضع كل تحركات فريق ٨ آذار إلا في خانة الانصياع التام لمشروع حزب الله منذ إنتفاضة الإستقلال في ال ٢٠٠٥.

لن تكون جبيل الأبية في 7 حزيران حصان طروادة لمشروع حزب الله الانقلابي المموه برتقالياً. بل ستكون جبيل وفيةً لتاريخها وعراقتها ولروح ريمون اده الحرة.

لن تعطي جبيل غطاءً مسيحياً لسلاح غير شرعي يحاول بالقوّة السيطرة على الدستور وعلى القانون وعلى لبنان.

نحن لا نخاف أن نكون رأس حربة في مواجهة سياسة الهيمنة على الدولة التي ينتهجها حزب الله و لتكن صناديق الإقتراع أم المعارك لإسقاط مشروع الجمهورية الثالثة المجهولة الهوية، جمهورية الحروب المستمرة التي يسعى اليها النائب عون، “ويلي بجرب مجرب بيكون عقلو مخرب”.

 أيها الجبيليون, فلتكن خياراتكم واضحة، لأن المعركة واضحة ولا لبس فيها. عليكم أن تنتقوا بين الأبيض والأسود، وحذار من الرمادي الذي لا لون ولا طعم ولا موقف له. بالطبع لا مشكل بأن يكون هناك مرشحون مستقلون، ولكن الفرق كبير وخطير بين المستقل والحيادي.

إن البعض يأتون الحياة ويا ليتهم لا يأتون، لا التراب يشعر بخطاهم ولا الهواء يشتم رائحتهم. يأتون غير عالمين أن الحياة صعاب متتالية تتحدى الإنسان في مختلف مجاريها. هؤلاء البعض وإن كان لهم دور وقت “القطعة”، فهم ليسوا رجالاً وقت “الحزه”. فالمعركة لا تحتمل انصاف الحلول ولا يخوضها انصاف الرجال أو أصحاب اللا موقف. المعركة ليست دعماً لإبن الضيعة لأنه إبن الضيعة، وليست رداً للجميل لمن زار ذاك النادي الرياضي أو قدم واجب العزاء في هذا المأتم أو ذاك.

هل فعلاً نريد ممثلين لنا عاجزون، إن لم نقل عن البعض منهم غير مؤهلون، أن يأخذوا قرارات حاسمة لأنهم مقيدون بحياديتهم ووسطيتهم؟

هل لنا أن نسأل أين كان مستقلو جبيل خلال كل مراحل ثورة الأرز وانتفاضة المليون ونصف لبناني يوم ١٤ آذار ال-٢٠٠٥؟ هل كانوا أيضاً على مسافة واحدة من شعبهم ومحتله، لدواعي الإستقلالية والحيادية؟ 

هل يليق بجبيل مرشح ونائب سابق مستقل ممثلاً عنها في البرلمان، وهو لم يكمل صفوفه الثانوية فزور شهادته الجامعية. ويفترض أنه إذا أعيد إنتخابه نائباً سيتحمل مسؤلية تشريع قوانين و مراقبة عمل الحكومة، وهذه مسؤلية وطنية تطال جميع النواحي الحياتية للمواطن اللبناني حاضراً ومستقبلاً ؟

هل تقبل جبيل “بمستقلين”، وهم لم يصبحوا نواباً بعد، خضعوا لإملاءات وفرض عليهم فيتو آتٍ من خارج جبيل؟ من أول دخولو شمعة طولو….والحبل عالجرار! قولوا لهؤلاء شكراً، لكن لا وألف لا. لا نريد لقرى جبيل ان تناقش امورها في الضاحية الجنوبية. لن نخضع للإبتزاز ولن ننتخب من خضع للإبتزاز. قرار جبيل كان حراً و سيبقى في يد الجبيليين الأحرار.

 الى أهلنا و اخوتنا أبناء الطائفة الشيعية الكريمة في جبيل نقول، صوتوا لسياسة العيش المشترك التي طالما انتهجناها سوية وكونوا معنا احرار  في مواجهة سياسة السلاح الغريب والثقافة الغريبة الوافد الينا من بلاد الفرس، عاداتنا و تقاليدنا واحدة,ثقافتنا واحدة و قوتنا في شراكتنا.

وإلى مسيحيي جبيل أقول لكم، إن مسؤوليتكم كبرى لأن التحدي كبير. لبنان اليوم على مفترق طرق، فإما العبور إلى لبنان الحضاري و المتألق أو الغوص في أعماق المجهول حيث التخلف و الجهل و منطق شريعة الغاب وربما جمهورية ثالثة، أو الحيادية الانتحارية! فإختاروا هل تريدون فارس إبن قرطبا أم الفرس الغرباء؟

 

.